يرى أحمد أبو رتيمة أن إسرائيل قتلت أكثر من 250 من العاملين في مجال الإعلام بهدف إسكات الشهود على جرائم الحرب، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين الذين يعيشون وطأة الهجوم الإسرائيلي على غزة يملكون أفضلية كبيرة في توثيق العنف ونقل ما يجري على الأرض.
وكتب أحمد أبو رتيمة في مقال نشره موقع ميدل إيست آي أن الجيش الإسرائيلي قتل في 20 يونيو 2026 مصور قناة الجزيرة مباشر أحمد وشاح، خلال غارة بطائرة مسيّرة، بعد أقل من شهرين ونصف من مقتل شقيقه محمد وشاح، مراسل القناة، في هجوم استهدفه في 8 أبريل. وكان أحمد قد ظهر على شاشة الجزيرة عقب مقتل شقيقه، مطالبًا العالم بوقف استهداف الصحفيين، قبل أن يلقى المصير ذاته لاحقًا.
مقتل الصحفيين الفلسطينيين وإسكات الشهود
خلصت دراسة نشرها مشروع «تكاليف الحرب» التابع لجامعة براون في أبريل 2025 إلى أن الحرب على غزة أودت بحياة صحفيين يفوق عددهم من قتلوا خلال الحرب الأهلية الأمريكية والحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الكورية وحرب فيتنام، بما في ذلك النزاعات في كمبوديا ولاوس، وحروب يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية، والحرب في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر مجتمعة.
كما رصدت منظمة «مراسلون بلا حدود» في تقريرها السنوي الصادر في ديسمبر 2025 مسؤولية إسرائيل عن قرابة نصف حالات قتل الصحفيين المسجلة حول العالم خلال ذلك العام، ما جعل فلسطين المحتلة أخطر مكان في العالم على الصحفيين.
وبحلول أغسطس من العام الماضي، كانت المنظمة قد وثقت مقتل نحو 220 صحفيًا على يد القوات الإسرائيلية في قطاع غزة خلال أقل من 23 شهرًا، قبل أن يرتفع العدد إلى 259 صحفيًا بحلول مارس 2026.
ويتساءل أبو رتيمة عن أسباب استهداف إسرائيل للصحفيين الفلسطينيين، معتبرًا أن الجيش الإسرائيلي، مثلما يقتل الأطفال والمدنيين ويقصف المستشفيات ويدمر البنية التحتية، لا يرى نفسه ملزمًا بتقديم مبررات مقنعة، لاعتقاده بأنه بمنأى عن المحاسبة.
خيمة الصحفيين.. ذاكرة من رحلوا
يروي الكاتب أنه خرج من مستشفى ناصر في جنوب غزة خلال نوفمبر 2023، بعد تلقي العلاج من إصابات أصيب بها في غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزله وأودت بحياة سبعة من أفراد أسرته، بينهم نجله عبد الله.
واضطر أبو رتيمة إلى مغادرة سريره في المستشفى لإفساح المجال أمام جريح آخر، في ظل تدفق آلاف المصابين. ومع تدمير منزله ونزوح أسرته وحاجته إلى مواصلة التعافي، لم يجد مكانًا يلجأ إليه سوى خيمة أقامها صحفيون في باحة المستشفى لممارسة عملهم.
ويقول الكاتب، إن الصحفيين استقبلوه وتقاسموا معه الطعام ووفّروا له مكانًا للنوم، قبل أن يقيم معهم شهرًا اضطروا بعده إلى إخلاء المكان مع اجتياح الجيش الإسرائيلي خان يونس وتقدم دباباته باتجاه المستشفى.
ويشير أبو رتيمة إلى أنه، عند استرجاعه تلك الفترة، يستطيع أن يتذكر أربعة صحفيين على الأقل عاش معهم في الخيمة ثم قتلهم الجيش الإسرائيلي، وهم حسن إسليح ومحمد البردويل ومصطفى ثريا ومحمد أبو سعدة.
كما نجا الصحفي إسماعيل أبو عمر من غارة مباشرة بطائرة مسيّرة إسرائيلية، لكنه فقد إحدى ساقيه.
ويضيف الكاتب أن إسليح، أحد أشهر الصحفيين المحليين في غزة، تعرض للاستهداف للمرة الأولى داخل خيمته، فأصيب ونجا، قبل أن يستهدفه الجيش الإسرائيلي مجددًا بينما كان يرقد مصابًا على سرير في مستشفى ناصر بخان يونس، حيث قتل في 13 مايو 2025.
وبرر الجيش الإسرائيلي قتله بادعاء أنه عضو في حركة حماس، مستندًا إلى قيامه بتوثيق الهجمات التي قادتها الحركة على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، لكن الكاتب يرى أن توثيق تلك المشاهد يندرج ببساطة ضمن العمل الصحفي، إذ تمكن إسليح من الوصول سريعًا إلى المكان لأنه كان يعيش قرب السياج الشرقي في خان يونس.
وهم الحياد في تغطية حرب غزة
وفي 10 أغسطس 2025، قتل الجيش الإسرائيلي ستة صحفيين كانوا ينامون داخل خيمة قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة، بينهم مراسل الجزيرة أنس الشريف. وبعد الغارة، اتهم الجيش الإسرائيلي الشريف بأنه رئيس خلية تابعة لحماس، وأنه شارك في تطوير هجمات صاروخية ضد المدنيين الإسرائيليين وجنود الجيش.
ويرى أبو رتيمة أن اتهام الصحفيين بالارتباط بحماس أصبح وسيلة شائعة لتبرير استهدافهم، مشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يقدم تفسيرًا لمقتل الصحفيين الخمسة الآخرين الذين كانوا داخل الخيمة نفسها، رغم معرفته بوجودهم.
وينقل الكاتب عن محمد شحادة، في تحليل نشرته مجلة «+972» الإسرائيلية المستقلة، أن قتل الصحفيين الفلسطينيين على هذا النحو يخدم هدفًا طويل الأمد يتمثل في تدمير الشهادة المباشرة والأدلة على جرائم الحرب، إذ غالبًا ما يصل صحفيو غزة إلى مواقع الفظائع أولًا، ويوثقون الهجمات ويصلون إلى الضحايا والشهود.
ويستشهد أبو رتيمة أيضًا بمقتل الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة برصاص القوات الإسرائيلية في 11 مايو 2022 أثناء تغطيتها الأحداث في مخيم جنين بالضفة الغربية المحتلة، معتبرًا أن خلفيتها المسيحية وعدم ارتدائها الحجاب وحملها الجنسية الأمريكية وإقامتها في القدس تجعل اتهامها بالارتباط بحماس غير منطقي حتى وفق المعايير الإسرائيلية نفسها.
ويؤكد الكاتب أن الجيش الذي قتل أبو عاقلة هو نفسه الذي قتل إسليح وأنس الشريف وأكثر من 250 صحفيًا في غزة، معتبرًا أن الهدف واحد في كل الحالات: قتل الشاهد الذي يوثق الجريمة.
ويرفض أبو رتيمة اعتبار غياب الصحفيين الدوليين عن غزة مبررًا لضعف التغطية الإعلامية، موضحًا أن الجيش الإسرائيلي هو الجهة التي تمنع الصحفيين الأجانب من دخول القطاع. وفي المقابل، يؤكد أن الصحفيين الفلسطينيين الموجودين داخل غزة يمثلون صحفيين دوليين أيضًا، لأنهم يعملون مع وسائل إعلام ومنظمات دولية كبرى، وتعتمد الأمم المتحدة على أعمالهم.
ويطرح الكاتب تساؤلًا حول سبب عدم فتح إسرائيل أبواب غزة أمام الصحفيين الأجانب إذا كانت تشكك في مصداقية الصحفيين الفلسطينيين، حتى يتمكنوا من توثيق الواقع بأنفسهم.
الحياد ليس شرطًا للصحافة الموضوعية
يؤكد أبو رتيمة أن أي محاولة لتبرير قتل أكثر من 200 صحفي تظل واهية، مشددًا على أن أي انتماء سياسي محتمل لبعض الصحفيين الفلسطينيين لا يمكن أن يبرر قتلهم.
ويرى أن الصحفي ينشأ داخل سياق وطني وثقافي يشكل هويته ومسار حياته، وأنه من غير المنطقي مطالبته بالتجرد من هذا السياق. ويضيف أن الحياد المطلق وهم، بينما تظل مهمة الصحفي نقل الحقائق بموضوعية، مؤكدًا أن الجرائم الإسرائيلية في غزة لا تحتاج سوى إلى التوثيق.
ويشير إلى أن الحديث عن وفيات الفلسطينيين جوعًا لا يمكن أن يتجاهل منع إسرائيل شاحنات الغذاء من الوصول إلى المدنيين، كما لا يمكن عند تناول نزوح مئات الآلاف من السكان تجاهل أوامر التهجير التي يصدرها الجيش الإسرائيلي.
ويعتبر الكاتب أن تمييع هذه الحقائق تحت ذريعة الحياد يعني الانحياز إلى المعتدي والمشاركة في الجريمة.
كما يرفض أبو رتيمة الرأي القائل إن قرب الصحفي من الأحداث يجعله أكثر عرضة للتأثر العاطفي وأقل موضوعية، متسائلًا عما إذا كان الارتباط الإنساني بالأحداث يمثل نقطة ضعف أم مصدر قوة للصحفي.
ويرى أن التفاعل العاطفي يمنح الصحافة حياة، بينما قد تقدم التغطية البعيدة إحصاءات وأرقامًا تفتقر إلى الإحساس بالتجربة الإنسانية التي تقف خلفها. ويؤكد أن الجمهور لا يتابع الأخبار لمجرد استيعاب الأرقام، بل يبحث عن قصة حية تخاطبه على المستوى الإنساني.
ويخلص أبو رتيمة إلى أن الصحافة لا تتطلب من الصحفيين الانفصال عاطفيًا عن الأحداث، وإنما تتطلب الدقة والموضوعية، وهما صفتان يرى أن صحفيي غزة أظهروهما بمهنية وتميز، لأن أفضل من يروي القصة غالبًا هو من عاش أحداثها بنفسه.
https://www.middleeasteye.net/opinion/gaza-genocide-palestinian-journalists-illusion-neutrality

